فصل: فَصْلٌ هَلْ تَلْبَسُ الْحَادّةُ الثّوْبَ إذَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمّ نُسِجَ؟

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.فصل تَجْتَنِبُ الْحَادّةُ زِينَةَ الثّيَابِ:

النّوْعُ الثّانِي: زِينَةُ الثّيَابِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا مَا نَهَاهَا عَنْهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَا هُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْهُ وَمَا هُوَ مِثْلُهُ. وَقَدْ صَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا. وَهَذَا يَعُمّ الْمُعَصْفَرَ وَالْمُزَعْفَرَ وَسَائِرَ الْمَصْبُوغِ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ وَالْأَخْضَرِ وَالْأَزْرَقِ الصّافِي وَكُلّ مَا يُصْبَغُ لِلتّحْسِينِ وَالتّزْيِينِ. وَفِي اللّفْظِ الْآخَرِ وَلَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنْ الثّيَابِ وَلَا الْمُمَشّقَ وَهَهُنَا نَوْعَانِ آخَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَأْذُونٌ فِيهِ وَهُوَ مَا نُسِجَ مِنْ الثّيَابِ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ صَبْغٌ مِنْ خَزّ أَوْ قَزّ أَوْ قُطْنٍ أَوْ كَتّانٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ وَبَرٍ أَوْ شَعَرٍ أَوْ صَبْغٍ غَزَلَهُ وَنُسِجَ مَعَ غَيْرِهِ كَالْبُرُودِ.
وَالثّانِي: مَا لَا يُرَادُ بِصَبْغِهِ الزّينَةُ مِثْلَ السّوَادِ وَمَا صُبِغَ لِتَقْبِيحِ أَوْ لِيَسْتُرَ الْوَسَخَ فَهَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ. قَالَ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ فِي الثّيَابِ زَيّنَتَانِ. إحْدَاهُمَا: جَمَالُ الثّيَابِ عَلَى اللّابِسِينَ وَالسّتْرَةُ لِلْعَوْرَةِ. فَالثّيَابُ زِينَةٌ لِمَنْ يَلْبَسُهَا وَإِنّمَا نُهِيَتْ الْحَادّةُ عَنْ زِينَةِ بَدَنِهَا وَلَمْ تُنْهَ عَنْ سَتْرِ عَوْرَتِهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَلْبَسَ كُلّ ثَوْبٍ مِنْ الْبَيَاضِ لِأَنّ كَانَ مِنْ زِينَةٍ أَوْ وَشْيٍ فِي ثَوْبِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا تَلْبَسُهُ الْحَادّةُ وَذَلِكَ لِكُلّ حُرّةٍ أَوْ أَمَةٍ كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ مُسْلِمَةٍ أَوْ ذِمّيّةٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَوْلُ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ فِي هَذَا الْبَابِ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَلْبَسُ ثَوْبَ عَصَبٍ وَلَا خَزّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَصْبُوغًا إذَا أَرَادَتْ بِهِ الزّينَةَ وَإِنْ لَمْ تُرِدْ بِلَبْسِ الثّوْبِ الْمَصْبُوغِ الزّينَةَ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَلْبَسَهُ. وَإِذَا اشْتَكَتْ عَيْنَهَا اكْتَحَلَتْ بِالْأَسْوَدِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ تَشْتَكِ عَيْنَهَا لَمْ تَكْتَحِلْ.
فَصْلٌ:
وَأَمّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّه فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَلَا تَتَزَيّنُ الْمُعْتَدّةُ وَلَا تَتَطَيّبُ بِشَيْءِ مِنْ الطّيّبِ وَلَا تَكْتَحِلُ بِكُحْلِ زِينَةٍ وَتَدّهِنُ بِدُهْنِ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ وَلَا تَقْرَبُ مِسْكًا وَلَا زَعْفَرَانًا لِلطّيبِ وَالْمُطَلّقَةُ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ تَتَزَيّنُ وَتَتَشَوّفُ لَعَلّهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا. وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي مَسَائِلِهِ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ قَالَ الْمُتَوَفّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْمُطَلّقَةُ ثَلَاثًا وَالْمُحْرِمَةُ يَجْتَنِبْنَ الطّيبَ وَالزّينَةَ. وَقَالَ حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ: سَأَلْتُ أَحْمَد رَحِمَهُ اللّه قُلْت: الْمُتَوَفّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْمُطَلّقَةُ هَلْ تَلْبَسَانِ الْبُرُدَ لَيْسَ بِحَرِيرٍ؟ فَقَالَ لَا تَتَطَيّبُ الْمُتَوَفّى عَنْهَا وَلَا تَتَزَيّنُ بِزِينَةِ وَشَدّدَ فِي الطّيبِ إلّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا عِنْدَ طُهْرِهَا. ثُمّ قَالَ وَشُبّهَتْ الْمُطَلّقَةُ ثَلَاثًا بِالْمُتَوَفّى عَنْهَا لِأَنّهُ لَيْسَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ثُمّ سَاقَ حَرْبٌ بِإِسْنَادِهِ إلَى أُمّ سَلَمَةَ قَالَ الْمُتَوَفّى عَنْهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنْ الثّيَابِ وَلَا وَلَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَتَطَيّبُ وَلَا تَمْتَشِطُ بِطَيّبٍ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ النّيْسَابُورِيّ فِي مَسَائِلِهِ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللّهِ عَنْ الْمَرْأَةِ تَنْتَقِبُ فِي عِدّتِهَا أَوْ تَدْهُنُ فِي عِدّتِهَا؟ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنّمَا كُرِهَ لِلْمُتَوَفّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَتَزَيّنَ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ: كُلّ دُهْنٍ فِيهِ طِيبٌ فَلَا تُدْهِنُ بِهِ فَقَدْ دَارَ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمْ اللّهُ عَلَى أَنّ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ مِنْ الثّيَابِ مَا كَانَ مِنْ لِبَاسِ الزّينَةِ مِنْ أَيّ نَوْعٍ كَانَ وَهَذَا هُوَ الصّوَابُ قَطْعًا فَإِنّ الْمَعْنَى الّذِي مُنِعَتْ مِنْ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُمَشّقِ لِأَجْلِهِ مَفْهُومٌ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَصّهُ بِالذّكْرِ مَعَ الْمَصْبُوغِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا هُوَ مِثْلُهُ وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ فَإِذَا كَانَ الْأَبْيَضُ وَالْبُرُودُ الْمُحَبّرَةُ الرّفِيعَةُ الْغَالِيَةُ الْأَثْمَان مِمّا يُرَادُ لِلزّينَةِ لِارْتِفَاعِهِمَا وَتَنَاهِي جَوْدَتِهِمَا كَانَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الثّوْبِ الْمَصْبُوغِ. وَكُلّ مِنْ عَقَلَ عَنْ اللّهِ وَرَسُولِهِ لَمْ يَسْتَرِبْ فِي ذَلِكَ لَا كَمَا قَالَ أَبُو مُحَمّدِ بْنِ حَزْمٍ: إنّهَا تَجْتَنِبُ الثّيَابَ الْمَصْبَغَةَ فَقَطّ وَمُبَاحٌ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ حَرِيرٍ أَبْيَضَ وَأَصْفَرَ مِنْ لَوْنِهِ الّذِي لَمْ يُصْبَغْ وَصُوفِ الْبَحْرِ الّذِي هُوَ لَوْنُهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمُبَاحٌ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ الْمَنْسُوجَ بِالذّهَبِ وَالْحُلِيّ كُلّهِ مِنْ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ وَالْجَوْهَرِ وَالْيَاقُوتِ وَالزّمُرّدِ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَهِيَ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ تَجْتَنِبُهَا فَقَطْ وَهِيَ الْكُحْلُ كُلّهُ لِضَرُورَةِ أَوْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَوْ ذَهَبَتْ عَيْنَاهَا لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا وَتَجْتَنِبُ فَرْضًا كُلّ ثَوْبٍ مَصْبُوغٍ مِمّا يُلْبَسُ فِي الرّأْسِ وَالْجَسَدِ أَوْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ السّوَادُ وَالْخُضْرَةُ وَالْحُمْرَةُ وَالصّفْرَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ إلّا الْعَصَبَ وَحْدَهُ وَهِيَ ثِيَابٌ مُوَشّاةٌ تُعْمَلُ فِي الْيَمَنِ فَهُوَ مُبَاحٌ لَهَا. وَتَجْتَنِبُ أَيْضًا: فَرْضًا الْخِضَابَ كُلّهُ جُمْلَةً وَتَجْتَنِبُ الِامْتِشَاطَ حَاشَا التّسْرِيحَ بِالْمُشْطِ فَقَطْ فَهُوَ حَلَالٌ لَهَا وَتَجْتَنِبُ أَيْضًا: فَرْضًا الطّيبَ كُلّهُ وَلَا تَقْرَبُ شَيْئًا حَاشَا شَيْئًا مِنْ قِسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ عِنْدَ طُهْرِهَا فَقَطْ فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ الّتِي ذَكَرَهَا حَكَيْنَا كَلَامَهُ فِيهَا بِنَصّهِ.

.الرّدّ عَلَى ابْنِ حَزْمٍ فِي تَضْعِيفِهِ إبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ:

وَلَيْسَ بِعَجِيبِ مِنْهُ تَحْرِيمُ لُبْسِ ثَوْبٍ أَسْوَدَ عَلَيْهَا مِنْ الزّينَةِ فِي شَيْءٍ وَإِبَاحَةُ ثَوْب يَتّقِدُ ذَهَبًا وَلُؤْلُؤًا وَجَوْهَرًا وَلَا تَحْرِيمُ الْمَصْبُوغِ الْغَلِيظِ لِحَمْلِ الْوَسَخِ وَبَهَاؤُهُ وَرُوَاؤُهُ وَإِنّمَا الْعَجَبُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا دِينُ اللّهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَأَنّهُ لَا يَحِلّ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ. وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا إقْدَامُهُ عَلَى خِلَافِ الْحَدِيثِ الصّحِيحِ فِي نَهْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهَا عَنْ لِبَاسِ الْحُلِيّ. وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنّهُ ذَكَرَ الْخَبَرَ بِذَلِكَ ثُمّ قَالَ وَلَا يَصِحّ ذَلِكَ لِأَنّهُ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَوْ صَحّ لَقُلْنَا بِهِ فَلِلّهِ مَا لَقِيَ إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ مِنْ أَبِي مُحَمّدِ بْنِ حَزْمٍ وَهُوَ مِنْ الْحُفّاظِ الْأَثْبَاتِ الثّقَاتِ الّذِينَ اتّفَقَ الْأَئِمّةُ السّتّةُ عَلَى إخْرَاجِ حَدِيثِهِ وَاتّفَقَ أَصْحَابُ الصّحِيحِ وَفِيهِمْ الشّيْخَانِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ وَشَهِدَ لَهُ الْأَئِمّةُ بِالثّقَةِ وَالصّدْقِ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِيهِ جَرْحٌ وَلَا خَدْشٌ وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُحَدّثِينَ قَطّ تَعْلِيلُ حَدِيثٍ رَوَاهُ وَلَا تَضْعِيفُهُ بِهِ. وَقُرِئَ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي الْحَجّاجِ الْحَافِظِ فِي التّهْذِيبِ وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْخُرَاسَانِيّ أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيّ وُلِدَ بِهَرَاةَ وَسَكَنَ نَيْسَابُورَ وَقَدِمَ بَغْدَادَ وَحَدّثَ بِهَا ثُمّ سَكَنَ بِمَكّةَ حَتّى مَاتَ بِهَا ثُمّ ذَكَرَ عَمّنْ رَوَى وَمَنْ رَوَى عَنْهُ ثُمّ قَالَ قَالَ نُوحُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمَرْوَزِيّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ صَحِيحُ الْحَدِيثِ وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي حَاتِمٍ: ثِقَةٌ وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: لَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ الْعِجْلِيّ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَدُوقٌ حَسَنُ الْحَدِيثِ وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيّ: كَانَ ثِقَةً فِي الْحَدِيثِ ثُمّ لَمْ تَزَلْ الْأَئِمّةُ يَشْتَهُونَ حَدِيثَهُ وَيَرْغَبُونَ فِيهِ وَيُوَثّقُونَهُ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: ثِقَةٌ. وَقَالَ إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: كَانَ صَحِيحَ الْحَدِيثِ حَسَنَ الرّوَايَةِ كَثِيرَ السّمَاعِ مَا كَانَ بِخُرَاسَانَ أَكْثَرَ حَدِيثًا مِنْهُ وَهُوَ ثِقَةٌ وَرَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ الْقَاضِي: كَانَ مِنْ أَنْبَلِ مَنْ حَدّثَ بِخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَأَوْثَقِهِمْ وَأَوْسَعِهِمْ عِلْمًا. وَقَالَ الْمَسْعُودِيّ: سَمِعْت مَالِكَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ مَاتَ إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتّينَ وَمِائَةٍ بِمَكّةَ وَلَمْ يُخْلِفْ مِثْلَهُ. أَفْتَى الصّحَابَةُ رَضِيَ اللّه عَنْهُمْ بِمَا هُوَ مُطَابِقٌ لِهَذِهِ النّصُوصِ وَكَاشِفٌ عَنْ مَعْنَاهَا وَمَقْصُودِهَا فَصَحّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنّهُ قَالَ لَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَتَطَيّبُ وَلَا تَخْتَضِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ وَلَا ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَلَا بُرُدًا وَلَا تَتَزَيّنُ بِحُلِيّ وَلَا تَلْبَسُ شَيْئًا تُرِيدُ بِهِ الزّينَةَ وَلَا تَكْتَحِلُ بِكُحْلِ تُرِيدُ بِهِ الزّينَةَ إلّا أَنْ تَشْتَكِيَ عَيْنَهَا وَصَحّ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرّزّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: وَلَا تَمَسّ الْمُتَوَفّى عَنْهَا طِيبًا وَلَا تَخْتَضِبُ وَلَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلّا ثَوْبَ عَصَبٍ تَتَجَلْبَبُ بِهِ وَصَحّ عَنْ أُمّ عَطِيّةَ: لَا تَلْبَسُ الثّيَابَ الْمُصَبّغَةَ إلّا الْعَصَبَ وَلَا تَمَسّ طِيبًا إلّا أَدْنَى الطّيبِ بِالْقُسْطِ وَالْأَظْفَارِ وَلَا تَكْتَحِلُ بِكُحْلِ زِينَةٍ وَصَحّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَنّهُ قَالَ تَجْتَنِبُ الطّيبَ وَالزّينَةَ وَصَحّ عَنْ أُمّ سَلَمَة رَضِيَ اللّه عَنْهَا: لَا تَلْبَسُ مِنْ الثّيَابِ الْمُصَبّغَةِ شَيْئًا وَلَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَلْبَسُ حُلِيّا وَلَا تَخْتَضِبُ وَلَا تَتَطَيّبُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: لَا تَلْبَسُ مُعَصْفَرًا وَلَا تَقْرَبُ طِيبًا وَتَكْتَحِلُ وَتَلْبَسُ حُلِيّا وَتَلْبَسُ إنْ شَاءَتْ ثِيَابَ الْعَصْبِ.

.فصل هَلْ تَجْتَنِبُ الْحَادّةُ النّقَابَ:

وَأَمّا النّقَابُ فَقَالَ الْخِرَقِيّ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَتَجْتَنِبُ الزّوْجَةُ الْمُتَوَفّى عَنْهَا زَوْجُهَا الطّيبَ وَالزّينَةَ وَالْبَيْتُوتَةُ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا وَالْكُحْلَ بِالْإِثْمِدِ وَالنّقَابَ. وَلَمْ أَجِدْ بِهَذَا نَصّا عَنْ أَحْمَدَ. وَقَدْ قَالَ إسْحَاقُ بْنُ هَانِئٍ فِي مَسَائِلِهِ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللّهِ عَنْ الْمَرْأَةِ عِدّتِهَا أَوْ تُدْهِنُ فِي عِدّتِهَا؟ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنّمَا كُرِهَ لِلْمُتَوَفّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَتَزَيّنَ. وَلَكِنْ قَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد فِي مَسَائِلِهِ عَنْ الْمُتَوَفّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْمُطَلّقَةِ ثَلَاثًا وَالْمُحْرِمَةِ تَجْتَنِبْنَ الطّيبَ وَالزّينَةَ. فَجُعِلَ الْمُتَوَفّى عَنْهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُحْرِمَةِ فِيمَا تَجْتَنِبُهُ فَظَاهِرُ هَذَا أَنّهَا تَجْتَنِبُ النّقَابَ فَلَعَلّ أَبَا الْقَاسِمِ أَخَذَ مِنْ نَصّهِ هَذَا- وَاللّهُ أَعْلَمُ- وَبِهَذَا عَلّلَهُ أَبُو مُحَمّدٍ فِي الْمُغْنِي فَقَالَ فَصْلٌ الثّالِثُ فِيمَا تَجْتَنِبُهُ الْحَادّةُ النّقَابَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِثْلَ الْبُرْقُعِ وَنَحْوِهِ لِأَنّ الْمُعْتَدّةَ مُشَبّهَةٌ بِالْمُحْرِمَةِ وَالْمُحْرِمَةُ تَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ. وَإِذَا احْتَاجَتْ إلَى سَتْرِ وَجْهِهَا سُدِلَتْ عَلَيْهِ كَمَا تَفْعَلُ الْمُحْرِمَةُ.

.فَصْلٌ هَلْ تَلْبَسُ الْحَادّةُ الثّوْبَ إذَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمّ نُسِجَ؟

فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِي الثّوْبِ إذَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمّ نُسِجَ هَلْ لَهَا لَبْسُهُ؟ قِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ وَهُمَا احْتِمَالَانِ فِي الْمُغْنِي أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ لَبْسُهُ لِأَنّهُ أَحْسَنُ وَأَرْفَعُ وَلِأَنّهُ مَصْبُوغٌ لِلْحَسَنِ فَأَشْبَهُ مَا صُبِغَ بَعْدَ نَسْجِهِ وَالثّانِي: لَا يَحْرُمُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حَدِيثِ أُمّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: إلّا ثَوْبَ عَصْبٍ وَهُوَ مَا صُبِغَ غَزْلُهُ قَبْلَ نَسْجِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي قَالَ الشّيْخُ وَالْأَوّلُ أَصَحّ وَأَمّا الْعَصْبُ فَالصّحِيحُ أَنّهُ نَبْتٌ تُصْبَغُ بِهِ الثّيَابُ قَالَ السّهَيْلِيّ الْوَرْسُ وَالْعَصْبُ نَبَتَانِ بِالْيَمَنِ لَا يَنْبُتَانِ إلّا بِهِ فَأَرْخَصَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْحَادّةِ فِي لُبْسِ مَا يُصْبَغُ بِالْعَصْبِ لِأَنّهُ فِي مَعْنَى مَا يُصْبَغُ لِغَيْرِ تَحْسِينٍ كَالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ فَلَا مَعْنَى لِتَجْوِيزِ لُبْسِهِ مَعَ حُصُولِ الزّينَةِ بِصَبْغِهِ كَحُصُولِهَا بِمَا صُبِغَ بَعْدَ نَسْجِهِ. وَاللّهُ أَعْلَمُ.

.ذِكْرُ حُكْمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ:

ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشَا إلَى أَوْطَاسٍ فَلَقِيَ عَدُوّا فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وَأَصَابُوا سَبَايَا فَكَأَنّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَحَرّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِي ذَلِكَ {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النّسَاءِ إِلّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النّسَاءُ 24] أَيْ فَهُنّ لَكُمْ حَلَالٌ إذَا انْقَضَتْ عِدّتُهُنّ. وَفِي صَحِيحِهِ أَيْضًا: مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدّرْدَاءِ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَرّ بِامْرَأَةِ مُجِحّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ فَقَالَ لَعَلّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمّ بِهَا. فَقَالُوا: نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ كَيْفَ يُوَرّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلّ لَهُ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلّ لَهُ. وَفِي التّرْمِذِيّ: مِنْ حَدِيثِ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَرّمَ وَطْءَ السّبَايَا حَتّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنّ وَفِي الْمُسْنَدِ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتّى تَحِيضَ حَيْضَةً. وَفِي التّرْمِذِيّ: مِنْ حَدِيثِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ. قَالَ التّرْمِذِيّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا: لَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ السّبْيِ حَتّى يَسْتَبْرِئَهَا وَلِأَحْمَدَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَنْكِحَنّ ثَيّبًا مِنْ السّبَايَا حَتّى تَحِيضَ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحِهِ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إذَا وُهِبَتْ الْوَلِيدَةُ الّتِي تُوطَأُ أَوْ بِيعَتْ أَوْ عَتَقَتْ فَلْتُسْتَبْرَأْ بِحَيْضَةِ وَلَا تُسْتَبْرَأْ الْعَذْرَاءُ. وَذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُنَادِيًا فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ لَا يَقَعَنّ رَجُلٌ عَلَى حَامِلٍ وَلَا حَائِلٍ حَتّى تَحِيضَ. وَذَكَرَ عَنْ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ: عَنْ زَكَرِيّا عَنْ الشّعْبِيّ قَالَ أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ سَبَايَا يَوْمِ أَوْطَاسٍ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ لَا يَقَعُوا عَلَى حَامِلٍ حَتّى تَضَعَ وَلَا عَلَى غَيْرِ حَامِلٍ حَتّى تَحِيضَ.

.فصل لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْمَسْبِيّةِ حَتّى يُعْلَمَ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا:

فَتَضَمّنَتْ هَذِهِ السّنَنُ أَحْكَامًا عَدِيدَةً:
أَحَدُهَا: أَنّهُ لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْمَسْبِيّةِ حَتّى يُعْلَمَ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَبِوَضْعِ حَمْلِهَا وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا فَبِأَنْ تَحِيضَ حَيْضَةً. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ فَلَا نَصّ فِيهَا وَاخْتُلِفَ فِيهَا وَفِي الْبِكْرِ وَفِي الّتِي يُعْلَمُ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا بِأَنْ حَاضَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ ثُمّ بَاعَهَا عَقِيبَ الْحَيْضِ وَلَمْ يَطَأْهَا وَلَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ مِلْكه أَوْ كَانَتْ عِنْدَ امْرَأَةٍ وَهِيَ مَصُونَةٌ فَانْتَقَلَتْ عَنْهَا إلَى رَجُلٍ فَأَوْجَبَ الشّافِعِيّ وَأَبُو وَأَحْمَدُ الِاسْتِبْرَاءَ فِي ذَلِكَ كُلّهِ أَخْذًا بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ وَاعْتِبَارًا بِالْعِدّةِ حَيْثُ تَجِبُ مَعَ الْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرّحِمِ وَاحْتِجَاجًا بِآثَارِ الصّحَابَةِ كَمَا ذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ. حَدّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ عَطَاءٌ تَدَاوَلَ ثَلَاثَةٌ مِنْ التّجّارِ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ الْقَافَةَ فَأَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِأَحَدِهِمْ ثُمّ قَالَ عُمْرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مَنْ ابْتَاعَ جَارِيَةً قَدْ بَلَغَتْ الْمُحَيّضَ فَلْيَتَرَبّصْ بِهَا حَتّى تَحِيضَ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَحِضْ فَلْيَتَرَبّصْ بِهَا خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً قَالُوا: وَقَدْ أَوْجَبَ اللّهُ الْعِدّةَ عَلَى مَنْ يَئِسَتْ مِنْ الْمَحِيضِ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْ سِنّ الْمَحِيضِ وَجَعَلهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَالِاسْتِبْرَاءُ عِدّةُ الْأَمَةِ فَيَجِبُ عَلَى الْآيِسَةِ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْ سِنّ الْمَحِيضِ. وَقَالَ آخَرُونَ. الْمَقْصُودُ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ الْعِلْمُ بِبَرَاءَةِ الرّحِمِ فَحَيْثُ تَيَقّنَ الْمَالِكُ بَرَاءَةَ رَحِمِ الْأَمَةِ فَلَهُ وَطْؤُهَا وَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ عَذْرَاءَ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا إنْ شَاءَ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ. وَذَكَرَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ حَدّثَنَا عَلِيّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيّوبَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ اللّخْمِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ وَقَعَتْ فِي سَهْمِي جَارِيَةٌ يَوْمَ جَلُولَاءَ كَأَنّ عُنُقَهَا إبْرِيقُ فِضّةٍ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَمَا مَلَكَتْ نَفْسِي أَنْ جَعَلْتُ أُقَبّلُهَا وَالنّاسُ يَنْظُرُونَ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ إلَى هَذَا يَرْجِعُ وَهَاكَ قَاعِدَتُهُ وَفُرُوعُهَا: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ الْمَازِرِيّ وَقَدْ عَقَدَ قَاعِدَةً لِبَابِ الِاسْتِبْرَاءِ فَنَذْكُرُهَا بِلَفْظِهَا. وَالْقَوْلُ الْجَامِعُ فِي ذَلِكَ أَنّ كُلّ أَمَةٍ أَمِنَ عَلَيْهَا الْحَمْلَ فَلَا يَلْزَمُ فِيهَا الِاسْتِبْرَاءُ وَكُلّ مَنْ غَلَبَ عَلَى الظّنّ كَوْنُهَا حَامِلًا أَوْ شَكّ فِي حَمْلِهَا أَوْ تَرَدّدَ غَلَبَ الظّنّ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا لَكِنّهُ مَعَ الظّنّ الْغَالِبِ يَجُوزُ حُصُولُهُ فَإِنّ الْمَذْهَبَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي ثُبُوتِ الِاسْتِبْرَاءِ وَسُقُوطِهِ. ثُمّ خَرّجَ عَلَى ذَلِكَ الْفُرُوعَ الْمُخْتَلِفَةَ فِيهَا كَاسْتِبْرَاءِ الصّغِيرَةِ الّتِي تُطِيقُ الْوَطْءَ وَالْآيِسَةِ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ صَاحِبَا الْجَوَاهِرِ: وَيَجِبُ فِي الصّغِيرَةِ إذَا كَانَتْ مِمّنْ قَارَبَ سِنّ الْحَمْلِ كَبِنْتِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ أَوْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَفِي إيجَابِ الِاسْتِبْرَاءِ إذَا كَانَتْ مِمّنْ تُطِيقُ الْوَطْءَ وَلَا يَحْمِلُ مِثْلَهَا كَبِنْتِ تِسْعٍ وَعَشَرٍ رِوَايَتَانِ أَثْبَتُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَفَاهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَإِنْ كَانَتْ مِمّنْ لَا يُطِيقُ الْوَطْءَ فَلَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا. قَالَ وَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ فِيمَنْ جَاوَزَتْ سِنّ الْحَيْضِ وَلَمْ تَبْلُغْ سِنّ الْآيِسَةِ مِثْلَ ابْنَةِ الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ. وَأَمّا الّتِي قَعَدَتْ عَنْ الْمَحِيضِ وَيَئِسَتْ عَنْهُ فَهَلْ يَجِبُ فِيهَا الِاسْتِبْرَاء أَوْ لَا يَجِبُ؟ رِوَايَتَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ. قَالَ الْمَازِرِيّ وَوَجْهُ اسْتِبْرَاءِ الصّغِيرَةُ الّتِي تُطِيقُ الْوَطْءَ وَالْآيِسَةُ أَنّهُ يُمْكِنُ فِيهِمَا الْحَمْلُ عَلَى النّدُورِ أَوْ لِحِمَايَةِ الذّرِيعَةِ لِئَلّا يُدْعَى فِي مَوَاضِعِ الْإِمْكَانِ أَنْ لَا إمْكَانَ. قَالَ وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ خَوْفًا أَنْ تَكُونَ زَنَتْ وَهُوَ الْمُعَبّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِبْرَاءِ لِسُوءِ الظّنّ وَفِيهِ قَوْلَانِ وَالنّفْيُ لِأَشْهَبَ. قَالَ وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ الْوَخْشِ فِيهِ قَوْلَانِ الْغَالِبُ عَدَمُ وَطْءِ السّادَاتِ لَهُنّ وَإِنْ كَانَ يَقَعُ فِي النّادِرِ. وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ مَنْ بَاعَهَا مَجْبُوبٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ ذُو مَحْرَمٍ فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ. وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ الْمُكَاتَبَةِ إذَا كَانَتْ تَتَصَرّفُ ثُمّ عَجَزَتْ فَرَجَعَتْ إلَى سَيّدِهَا فَابْنُ الْقَاسِمِ يُثْبِتُ الِاسْتِبْرَاءَ وَأَشْهَبُ يَنْفِيهِ. وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ الْبِكْرِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ اللّخْمِيّ: هُوَ مُسْتَحَبّ عَلَى وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ هُوَ وَاجِبٌ. وَمِنْ ذَلِكَ إذَا اسْتَبْرَأَ الْبَائِعُ الْأَمَةَ وَعَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنّهُ قَدْ اسْتَبْرَأَهَا فَإِنّهُ يُجْزِئُ اسْتِبْرَاءُ الْبَائِعِ عَنْ اسْتِبْرَاءِ الْمُشْتَرِي. وَمِنْ ذَلِكَ إذَا أَوْدَعَهُ أَمَةً فَحَاضَتْ عِنْدَ الْمُودَعِ حَيْضَةً ثُمّ اسْتَبْرَأَهَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَاءٍ ثَانٍ وَأَجْزَأَتْ تِلْكَ الْحَيْضَةُ عَنْ اسْتِبْرَائِهَا وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا تَخْرُجَ وَلَا يَكُونُ سَيّدُهَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا. وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ زَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدٍ لَهُ صَغِيرٍ فِي عِيَالِهِ وَقَدْ حَاضَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ فَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ إنْ كَانَتْ لَا تَخْرُجُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَأَشْهَبُ يَقُولُ إنْ كَانَ مَعَ الْمُشْتَرِي فِي دَارٍ وَهُوَ الذّابّ عَنْهَا وَالنّاظِرُ فِي أَمْرِهَا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ تَخْرُجُ أَوْ لَا تَخْرُجُ. وَمِنْ ذَلِكَ إنْ كَانَ سَيّدُ الْأَمَةِ غَائِبًا فَحِينَ قَدِمَ اشْتَرَاهَا مِنْهُ رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ أَوْ خَرَجَتْ وَهِيَ حَائِضٌ فَاشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ. وَمِنْ ذَلِكَ إذَا بِيعَتْ وَهِيَ حَائِضٌ فِي أَوّلِ حَيْضِهَا فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنّ ذَلِكَ يَكُونُ اسْتِبْرَاءً لَهَا لَا يَحْتَاجُ إلَى حَيْضَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ الشّرِيكُ يَشْتَرِي نَصِيبَ شَرِيكِهِ مِنْ الْجَارِيَةِ وَهِيَ تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْهُمَا وَقَدْ حَاضَتْ فِي يَدِهِ فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ. وَهَذِهِ الْفُرُوعُ كُلّهَا مِنْ مَذْهَبِهِ تُنْبِيكَ عَنْ مَأْخَذِهِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَأَنّهُ إنّمَا يَجِبُ حَيْثُ لَا يُعْلَمُ وَلَا يُظَنّ بَرَاءَةُ الرّحِمِ فَإِنْ عُلِمَتْ أَوْ ظُنّتْ فَلَا اسْتِبْرَاءَ وَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَبّاسِ ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو الْعَبّاسُ ابْنُ تَيْمِيّةَ: إنّهُ لَا يَجِبُ اسْتِبْرَاءُ الْبِكْرِ كَمَا صَحّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا وَبِقَوْلِهِمْ نَقُولُ وَلَيْسَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَصّ عَامّ فِي وُجُوبِ اسْتِبْرَاءِ كُلّ مَنْ تَجَدّدَ لَهُ عَلَيْهَا مِلْكٌ عَلَى أَيّ حَالَةٍ كَانَتْ وَإِنّمَا نَهَى عَنْ وَطْءِ السّبَايَا حَتّى تَضَعَ حَوَامِلُهُنّ وَتَحِيضَ حَوَائِلُهُنّ. فَإِنْ قِيلَ فَعُمُومُهُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ وَطْءِ أَبْكَارِهِنّ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ كَمَا يَمْتَنِعُ وَطْءُ الثّيّبِ؟ قِيلَ نَعَمْ وَغَايَتُهُ أَنّهُ عُمُومٌ أَوْ إطْلَاقٌ ظَهَرَ الْقَصْدُ مِنْهُ فَيَخُصّ أَوْ يُقَيّدْ عِنْدَ انْتِفَاءِ مُوجِبِ الِاسْتِبْرَاءِ وَيَخُصّ أَيْضًا بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ رُوَيْفِعٍ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَنْكِحْ ثَيّبًا مِنْ السّبَايَا حَتّى تَحِيضَ وَيَخُصّ أَيْضًا بِمَذْهَبِ الصّحَابِيّ وَلَا يُعْلَمُ لَهُ مُخَالِفٌ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ: مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلِيّا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إلَى خَالِدٍ يَعْنِي بِالْيَمِينِ لِيَقْبِضَ الْخُمُسَ فَاصْطَفَى عَلِيّ مِنْهَا سَبْيَهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ اغْتَسَلَ فَقُلْتُ لِخَالِدٍ أَمَا تَرَى إلَى هَذَا؟ وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ خَالِدٌ لِبُرَيْدَةَ أَلَا تَرَى مَا صَنَعَ هَذَا؟ قَالَ بُرَيْدَةُ. وَكُنْتُ أَبْغُضُ عَلِيّا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَلَمّا قَدِمْنَا إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ يَا بُرَيْدَةُ أَتَبْغُضُ عَلِيّا؟ قُلْت: نَعَمْ قَالَ لَا تَبْغُضْهُ فَإِنّ لَهُ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَهَذِهِ الْجَارِيَةُ إمّا أَنْ تَكُونَ بِكْرًا فَلَمْ يَرَ عَلِيّ وُجُوبَ اسْتِبْرَائِهَا وَإِمّا أَنْ تَكُونَ فِي آخِرِ حَيْضِهَا فَاكْتَفَى بِالْحَيْضَةِ قَبْلَ تَمَلّكِهِ لَهَا. وَبِكُلّ حَالٍ فَلَا بُدّ أَنْ يَكُونَ تَحَقّقُ بَرَاءَةِ رَحِمَهَا بِحَيْثُ أَغْنَاهُ عَنْ الِاسْتِبْرَاءِ. فَإِذَا تَأَمّلْتَ قَوْلَ النّبِيّ حَقّ التّأَمّلِ وَجَدْت قَوْلَهُ وَلَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَى تَحِيضَ ظَهَرَ لَك مِنْهُ أَنّ الْمُرَادَ بِغَيْرِ ذَاتِ الْحَمْلِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا وَأَنْ لَا تَكُونَ فَيُمْسِكُ عَنْ وَطْئِهَا قَالَهُ فِي الْمَسْبِيّاتِ لِعَدَمِ عِلْمِ السّابِي بِحَالِهِنّ.